ورقــــة أمـــل

ورقــــة أمـــل

ورقــــة أمـــل. وضعت رأسها في أحضانه وغصة بكاء تملى كيانها ..كانا معا على سرير جمعهما منذ عام ..تحت سقف حجرة شهدت أجمل اللحضات ..إبتدأآ من ليلة زفافهما حتى جاء وقت تلبية نداء الوطن ..إنها الحرب التي أُعلنت، تحمل منجلها وتقطف رؤؤس البشر، لتمتزج الدماء بالمياة وتضيع هبة الحياة .


كانت الحجرة بضوء خافت في ليلة أختبأ القمر، خلف غيوم تنذر بقدوم الخريف ..هل كان يخشى الظهور للعلن !..أم أن هناك سرا لم يشأ أن يطلع عليه !
-” حبيبتي ..دعيني أنظر إلى عينيكِ ” ..قالها بصوت هامس حنون .
رفعت رأسها بهدوء مبتعدة عن جلده الدافئ لتتشابك ناظريهما، وفي عينيها دموع ساخنة على وشك الفرار .
-” لا ترحل “..أجابته برجاء يحمل حزنا ،خالته يشمل أحزان البشرية جمعاء .


لاحت على تقاسيم وجهه المليحة إبتسامة خفيفة ، مجيبا
-” لا أستطيع التخلف عن الواجب “.
-” من أجل طفلك الذي في أحشائي ..لا ترحل ” ..كان شيء في داخلها ينبئها إنه اذا رحل فلا عودة له .
-” لا أستطيع “.
-” أليس ولدك بغالِ عليك ! ” ..سألته بصوت حزين مستنكر .


-” أنه لكذلك ..لكن الوطن أغلى ..إن سُرق الوطن …سُرق ولدي ” .
عادت تدس رأسها بين أحضانه قائلة ” سأسكب الدموع ..وأكتوي بنار الفراق حتى تعود ”
كانت هذه ليلتهما الأخيرة قبل التأهب للسفر ، الذي ربما ستبات ذكرى على مدى أعوام ..أو إلى أمد الدهر ؟؟


لم تشعر إلا وهو ينهض فجرا، يعد نفسه للرحيل ،لكنها مع أشراقة أول خيط للشمس فتحت عينيها ، لتجده بكامل حلته ..بزيه العسكري وتلك النجوم على كتفيه تزينه ، كأنه رجل لامس الفضاء وأستمد من لا حدوده العطاء، وتقلد بسيف يجاور النجوم ، ليظهر عن شهامة أبت أن تكون إلا للشجعان ..
حاولت أن تنهض بخفة ، لكن ما تحمله في إحشائها أثقل عليها إنسيابها .


وضعت على كتفيها رداء حريريا ثم أسرعت إلى أحضانه ..همس في أذنيها ” علي الذهاب ..سوف أتاخر ”
رافقته إلى باب الدار التي تظللها شجرة الكمثرى بأوراقها الخضراء .
-” أوصيك بنفسكِ وبولدي “.
-” سأفعل ..لكنه مسكين لن يراني أبتسم حتى تعود ”
-” لا تفعلي هذا ..فما دام الأمل موجود عليك الأبتسام ” .
-” أريد أملا ملموسا .أريد أن تكون بقربي “.


نظر الى أعلى الشجرة قائلا ” أنظري ..الأمل سيتجدد مع كل ورقة تسقط “.
-” لم أفهمك ” .
أشار إلى أعلى الشجرة موضحا ” سيأتي الخريف وستجف تلك الأوراق وتسقط ..فإن سقطت الورقة الأخيرة منها ، إعلمي إن في الصباح الباكر سأكون بجوارك 


-” وإن سقطت ولم تكن بقربي ؟” ..سالته بصوت يأس ..
-” لن يحدث هذا …بعون الله ” …أجابها وهو يفتح ذراعيه ليضمها بين أحضانه من جديد ..تلمس بيديه بطنها وكأنه رغب في لمس ولده الذي لم تره عيناه .
كانت دموعها ساخنة بسخونة لوعة الفراق ..ومرة بمرارة الزهر ..ودعته على أمل اللقاء …
غابت الشمس ..وجاء خريف الفراق ..ثم شتاء الإنتظار.. ومع كل صباح تنظر من خلف الشباك ، أوراق الشجرة الباسقة بفروعها المتشابكة ..كانت تراقبها عن كثب كما تراقب الساعات xxxxبها خوفا من الخطأ أو التكرار .


كانت مبتهجة مع سقوط كل ورقة ..ولم تكف عن الإبتسام وهي تطالع نفسها عبر المرآة لتشهد كبر بطنها .أو عندما تنظف عتبة الدار مما تخلفه الريح .
وذات صباح بارد ، شهدت سقوط جميع أوراق الشجرة إلا واحدة ..كانت جافة ، لكنها ثابته ..أبت أن لا تنحنى للريح ،وكأنها تحاول ان تثبت أنها الأقوى ..هذا ما فكرت فيه وأزداد أملها حتى إنها شبهت تلك الورقة بزوجها الغائب ..لابد إنه يقاهر النار ويقف أمام أعاصير الأعداء بثبات .


باتت ليلتها واثقة ، مفعمة بالأبتهاج …وأستمرت تراقب تلك الورقة مع الأيام كما تراقب الشمس دوران الأرض حولها لتهنئها بذهاب الشتاء وحلول الربيع وإنطلاق أول صرخة للطفل في أرجاء الدار .
لم تفقد الأمل ..رغم إرتداء الشجرة ثوب جديد ،لكنها أحتفظت بتلك الورقة ..القديمة ..الجافة .المتشبثة بشكل عجيب !


وذات صباح وصل خبر إن زوجها بات مصيره مجهول ..الجميع خمن أنه أستشهد إلا هي ..كانت واثقة إنه على قيد الحياة .
مضت الفصول كما مضت الأعوام ، وأنتهت الحرب ، وشب الطفل وبات صبيا في السابعة ،ولم يصل خبر جديد عن والده المفقود.،وكلما سأل والدته ” متى يعود أبي ؟”
كانت تبتسم مجيبه ” عندما تسقط تلك الورقه “


وذات صباح أستيقظت على صوت صبيها يناديها ..نهضت وقلبها يكاد يقفز من مكانه ،وكأنها تخمن أن هناك أمرا جديدا ..لابد إن زوجها قد عاد ..لكنها عندما خرجت وجدت وليدها يقف على غصن الشجرة يسألها أن تساعده في النزول ..وما أن فعلت ، حتى سقطت عينيها على إحد كفيه كان قد أغلقها بإحكام ..شعرت بالدماء تغلي وهي تساله ” ماذا في كفك ؟”


-” إنها الورقة ..لقد أسقطتها من مكانها كي يعود أبي ” ..أجابها ببراءة، وعيناه أغروقت بدموع شقت على وجهه الملائكي سبيلا لها .
شعرت بحيرة ..ماذا تفعل ؟ ..هل تؤنبه على فعلته ..لأنه أرتكب جرما بحق الأمل الذي أشعرته إياها تلك الورقة ..أم تضمه إلى صدرها ،لأنه بشوق لرؤية والده كما هي بشوق له .


تناولت الورقة من يديه لتقع في صدمة ،شلت جسدها وتجمدت عينيه …
كانت الورقة بلاستكية وكان أثر الغراء عليها .

تمت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments