مذكرات عانس

You are currently viewing مذكرات عانس

مذكرات عانس

وقفت بفستانها الأبيض أمام ممر طويل أفترش سجاد أحمر ..
وتزين بكلى الجانبين بزهور بيضاء وحمراء واصطف أهلها صفين متقابلين على بداية الممر..
كل ما عليها أن تعتلي درجاته ..
تاهت نظراتها الحائرة ..
ترددت تردد من استشعر رهبة الموقف..والتفتت إلى صديقتها ..

قالت بتوتر:
-أظنني أحلم ؟
-لكنه ليس حلما ..أنتي عروس حقيقية يا “سناء”
-أخشى أن أفيق ولا أجد شيئا !
رتبت الأخرى على كتفها وابتسمت مشجعه وهي تومئ برأسها .. أن سيري

اختارت أن تصدق أنه واقع سعيد جدا..
شدت يدها على باقة الورد ..وبيدها الأخر ى رفعت طرف فستانها..
واعتلت الممر ..ارتفع صوت الزغاريد ..
وهي توزع أنظارها بين المهنئين .. تلألأت الفرحة في عيونها ..غالبتها ابتسامة كبيره ..
انتشى قلبها وأصبح لنبضة إيقاع ساحر.. طائر السعادة حط على متنها بعد شرود طويل ..
سارت بتأني إلى عرشها .. أحست وهي تسير أنها ليست في الأرض وإنما في الفردوس..

في منامها الجميل نسجت خيوط الفرحة ثم نفضت غزلها ..بغمضة عين..حين أفاقت ..نظرت إلى جسدها وكأنها تبحث عنه ..
أين الفستان؟!!
كذلك المهنئين ؟!

ارتسمت على شفتيها ابتسامة مهزوزة ..ابتسامة من سلم بالخسارة والهزيمة ..

فهذه غرفتها في واقع يشيح بوجهه عنها في صباح التشاؤم والتثاؤب وتكتكة الساعة الرتيبة..
عادت لتستلقي بكسل وهي تنظر للسقف الذي بدا لونه بزرقة السماء الصافية ..

في الماضي كانت تحب كل شبر في منزلها تخال أن الجدران والأثاث كانت تبتسم لها بحنو فقد آوها في طفولتها وترعرعت فيه شابة والآن كأنه مل من ضيافتها الطويلة وملت منه ..

أصبحا يتبادلا تكشيرة وكأن بينهم نوع العداء..
فهذه الجدران تسكن جنباتها الوحشة والغربة والكآبة..

انتظرت حتى تفارق أثاث غرفتها وطال الانتظار..حتى انفلت زمام الصبر وغيرتها تغير جذريا ..
اختارت ستائر بلون قوس قزح والسقف صار بزرقة السماء الصافية ..

ونشرت نباتات ظل على جانبي ركنها المفضل وكان عبارة عن عدة أرفف ,
الرف السفلي صفت أحذيتها ثم الرفان الأعلى حوا مجموعة من الروايات والكتب والرف الذي يعلوهم ضم عددا من أكواب القهوة أحبت اقتنائها لتميز أشكالها ..

وأخيرا الرف العلوي الأخير حوا عدد من الإطارات لصور تخصها تحف بها تحف صغيرة جميلة وآخر تحفه ضمتها إليهم خجلت من وضعها في البداية ..
ولكن في الأخير انتصرت على ترددها ..و ..

تربعت تحفة لعروسين بحلة الزفاف !

لطالما انجذبت عينيها وطال مكوثها مع اختلاف الأمكنة
لفستان العروس ..
كم يروق لها وتشعر بجوع شديد له ..
أنه أمنيتها الوحيدة تجسدت أمامها ..ولكن مئات الأميال تبعدها عنها

متى ترتدي هذا الفستان؟
هل سيأتي ذلك اليوم؟
حسدت حتى المطلقة على الأقل ارتدته في يوم ما!

تبدوا ظاهريا أنها مقتنعة بنصيبها ..ولكنها تخجل عن التصريح بمشاعرها الحقيقية ..
يتوجب عليها أن تتركها معلبة في قوالب من جليد ..
وحين تنأى بنفسها بعيدا تشرد كثيرا ..

كانت دائما تشيد بيتها في داخلها وتؤثثه في خيالها ..أنها ليست حجرا ..
أنها تتمنى رجلا يحتويها بين ذراعية ..
ولكن من يسمع استغاثة قلبها؟!
من يضمد جراحها؟

تباعدت لقائها بصديقاتها المعدودات فالعلاقات سطحية وباردة ..
كانت تحتضن نفسها بيديها حين تجالسهن..
تحكم على نفسها إغلاق قوقعتها مع حديث حبوب منع الحمل..ووحم مزعج ..وشكوى وتذمر من أزواجهن تنصت إليهن وتشعر أن الوضع مأساوي وتشعر وكأنهن يخططن إلى مشروع طلاق جماعي ..ولكن تعود كل واحدة إلى منزلها وتنام بجانبه هانئة البال قريرة العين وكأن شيئا لم يكن ..

وهي في سريرها البارد شريك وحدتها وسنوات عمرها الثلاثين..

سئمت من الحياة ..تساوت الألون وسادت النكهات ..
فالأمس مثل اليوم والغد يشبههم فلا يحمل مفاجئات ..
قبل سنتين..
وقفت أمام المرآة سئلت نفسها للمرة الألف “ما لذي ينقصني عن غيري؟”
..ربما أنفها الضخم هو السبب ..دققت النظر إليه ..أحست وجهها كله تحول إلى أنف!!

أنها فعلا لا ترى سوى أنف..نفضت الرؤيا محدثة نفسها “أنه بحاجة عملية تجميل مستعجلة وطارئة”.

في أحد المناسبات بدأت تتفحص الوجوه لتختار أفضل أنف يعجبها شكله ..إلا أنها فوجئت ان منهن تملك أنف اكبر من أنفها ومع ذلك متزوجة وتبدوا عليها الحيوية والثقة ..

*********
في ذلك المساء ..
جلست على كرسي ..
وبدأت تقلب قنوات التلفاز..
شدها كثيرا عنوان حلقة لمسلسل يعرض بحلقات ..وكان عنوان الحلقة..
” هروب عانس”!
استغلت فرصة وجود إعلان وغابت بسرعة ثم عادت وبيدها كوب شاي ..
وتسمرت أمام الأحداث..

البطلة رغم جمالها عانس..تطوقها سنواتها الخامسة والثلاثين ,
فقد أعيا أهلها المتقدمين بطلباتهم صعبة .. وحين فاتها القطار اقتنعوا متأخرين بغباء شروطهم ..

أدمنت دخول النت..تعرفت على شلة عوانس ..في منتدى خاص بتأخر الزواج..كانت كل منهم تضمد جراح الأخرى ..

ثم تعرفت على شخص ..في مواقع المحادثات
وجدت عنده أذانا صاغية.. وكانت تتكلم معه بحرية وطلاقة..وبعد علاقة استمرت سنه اقتنعت بضرورة
اللقاء..
فبدأت لحظة الصفر..
كان القمر في طور المحاق ..غرها الستر المرخى عليها ..
وأدران عشق تسري في مجرى دمها ….
دست ملابسها في حقيبة ثم وضعت عباءتها وحذائها ..
لم تكن تسمع إلا نبضات قلبها ووعود ضبابية بفستان أبيض وزغاريد عرس ..

-أنتظرك
همست
-دقائق فقط
تباين كبير في اللهجة يشي ببعد المناطق ..
..اكتشفوا أهلها خبر هربها في اليوم التالي وبقوا متأرجحين بين الشك واليقين ..
وفي المساء انطلقت ثورة عارمة في المنزل..

بعد ثلاث أيام تمكنوا من إعادتها للمنزل عن طريق الشرطة..

و أباها الطيب الوقور الذي عمل بأمانة وشرف طيلة السنوات الماضية بقي حبيس المنزل بعد أن سودت وجهه وعفرته بالتراب ..
ثم أصيب بجلطة ختمت سنوات عمره السبعين ليرتاح من عارها .

أمها دموعها تجري على سفح خديها أياما طوال ..لم تطق النظر إلى وجه ابنتها ..تمنت أن رحمها كان متيبسا على أن يجلب لها هذه الابنة النجسة ..

أما أختيها فقد حكمت عليهن بالعنوسه بعد أن مزقت صك براءتهن ..وسيظل وزرها يلاحقهن إلى قبورهن ..أليست تلك الساقطة أختهن ؟!
أخاها الأكبر أمسكها من تلابيبها وسدد لها اللكمة في وجهها ليشخب أنفها بدمائه ..ثم توالت الضربات لتسقط مثخنة بالجراح ..

أما إخوتها فتقزم سقف طموحهن في طلبات الزواج ..سيقبلن بأي واحدة تقبل بهن ..بل ولزوجاتهن المنة والفضل في أن قبلت بأن تكون تلك البغاء عمة لأولادها!

وأخيرا حكم عليها بالسجن المؤبد في غرفتها لتكتشف متأخره أن حبيبها لم يكن سوى ذئب بشري..بعد أن انتشر خبر هروبها انتشار النار في الهشيم ..فأصبحت فضيحة المدينة وعبرتها..
فسيرتها تلوكها الألسن .. و ساهمت الجولات الذكية في توسعة رقعة الانتشار..

انتهى المسلسل ..واكتشفت أن كوب الشاي برد ولم يمس..

تفاعلت بكل وجدانها ولم تشعر بما حولها..
أرقت عينيا سناء في ذلك المساء..تقارن ذاتها بالبطلة ..

أنها لا تملك الجرأة لتكون مثلها طبعا ..

ثم أنها تحب أهلها ولن تخذلهم ..

ثم أنها هي وأهلها ليس لديهم طلبات ..

تريد جوابا أذن..

لماذا هي عانس؟!!

********

في أحد الأيام ألحت عليها أختيها لحضور دورة تتعلق بلغة الجسد والجاذبية والجمال..
ما فائدتها من الجاذبية ؟!
فليس لديها زوج!
رفضت ..
إلا أنهم أصروا عليها ليستفدوا من خصم المجموعات ..تحت إصرارهم وافقت مرغمة ..

ابتدأت الدورة بعرض صور لأنواع الابتسامات..تذكرت ابتسامتها المصطنعة الأقرب للاستقامة..

ثم تطرق إلى أنواع السير..
غامت الرؤيا أمام عينها ورأت نفسها بعين الخيال ..تسر تسير تحت جدار الكلية محتضنتها كتبها كدرع تحتمي به من هذا العالم ..تلتفت إليه بنظرات شاحبة من خلف زجاج نظارتها السميك التي يعلوها حاجبين تقاربين على الدوام وبدا ..فقناعتها من الداخل أنها تحمل هموم ثقيلة أفصح عنهما كفيها المحنيين ..كانت تعطي انطباعات سلبية ..كان جسدها يقول للآخرين ابتعدوا ..يكفيني ما ألم بي… فهل أنقصكم؟!

بعدها بعد أيام..

استبدلت علامات الضيق والملل البادية على وجهها ..فبدا وجهها مشرقا بابتسامة
خلعت رداء الضيق والملل وكل علامة إشارة تشير لهم ..
فبدا وجهها مشرقا بابتسامة ..

بدا عليها من هندامها الجديد وكأنها أحبت الحياة وشعرت أن الحياة بدأت تبادلها أيضا ..ثم وجدت نفسها كثر تقبلا لواقعها ..فالآخرين ليس أفضل منها ..

واخيرا بدأت تلفت الأنظار ..
صحيح أن المتقدم مرفوض لأنه يريدها زوجة ثالثه !
ولكن على الأقل بدأت السماء تمطر!

تمت

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments