لـيلــة عيــد

لـيلــة عيــد
لـيلــة عيــد


” نسـمة .. الفرن يصدر رائحة غريبة ، ومزعجة !”

“يالله !”

قفزت الفتاة فوق شقيقتها التي فرشت الأرضية الخشبية بأوراقها وأقلام تلوين بمختلف الألوان ، أسرعت بخطاها و أطفأت الفرن الذي أعلن عن إحتراق كعكتها.

أخرجت الصينية الساخنة وخرج معها دخان أسود ذو رائحة كريهة

” يبدو أننا سنفوت التحلية هذا اليوم ! ” تذمرت شقيقتها وئـام بخيبة وهي تصفع الأرض بقدمها

” لا تقولي هذاَ، أنظري لاتزال صالحة للأكل في المنتصف ، ثم هي لم تحترق كثيرا من الأسفل” أقنعت نفسها بهذا ثم نظرت لوئام التي وضعت مقعد صغير ووقفت عليه لتصل إلى حوض المبطخ
تركز بشكل كبير كيف تخطف القليل من الشوكولاطة الذائبة بدون أن تؤنبها نسمة ..
وكم أسخفتها الرائحة عندما بدأت تدهن الشوكولاطة الساخنة الذائبة على الكعكة ذات الشكل القلبي ..

” عندما أنتهي منها ستختفي الأجزاء المحروقة ” حدثت نسمة نفسها فرفعت وئام عينها الكبيرتين ذات اللون العسلي متسائلة : ” ألن تتركي لي القليل من الشوكولاطة ؟ ”

” بالطبع لا! ف يا أختي الصغيرة إن الشوكولاطة ستجعلك سمينة جداً .”

” لكنني أحب الشوكولاطة كثيراً ، ولا أستطيع مقاومتها ! ”

” وئام .. لمالا تصبرين حتى الليلة وتأكلين من كعكتي الجميلة رفقة العائلة ”

” لكن يانسمة .. أرغب بالقليل من تلك الشوكولاطة الان ، الان الان .. الان !” بدأت الطفلة تقفز على الكرسي وتصرخ بأعلى صوتها فأمسكتها نسمة خوفا أن تقع وفتحت عينيها البنيتين بتوتر

” طيب وئام سأسمح لكي بملعقة واحدة فقط .. توقفي عن القفز وإلا سقطتي ”

إبتسمت الأخت الصغيرة رافعة ذراعيها عاليا “مرحى! ”

في ظل هذه الأثناء أطلت أمهما زهرة من الباب وهي تشم رائحة الحريق ” نسمة .. أأحرقت الكعكة ؟ ”

” ليس كثيرا ياياأمي .. أخفيتها بالشوكولاطة .. تبدو جميلة جدا الأن ”

” لكن ياإبنتي أخفيتي شكلها الخارجي ماذا عن نكهتها ؟ ترى داخلها كيف ؟”

” لا تقلقي ماميتا .. فأنا متاكدة أنها ستعجبهم و ثم هناك صاحبة البطن الذي لايشبع وهي لن تترك منها قطعة .. على ضمانتي” نظرتا معا لوئام التي لم تستوعب بعد انها المقصودة فهي كانت مستمتعة بالشوكولاطة التي كانت تأكل منها ملاعق ممتلئة متدفقة

انتبهت نسمة فشهقت غير مصدقة ” توقفي ، قلت ملعقة واحدة فقط وليس كل الصحن !”

” إنها لذيذة جداً ..” تابعت وئام لعق الملعقة التي بيدها ، بينما رفعت نسمة كعكة القلب في الهواء وسألت أمها ” أكملت ! مارأيكِ فيها ”

تنهدت زهرة وهي تحرك رأسها بتفائل ” أتمنى ان تكون جميلة بالداخل كماتبدو من الخارج !”

” ستكون ! ” نظرت نسمة لكعكتها بحب كبير وحماس كبير

” هيا إذهبي .. جهزي نفسك فهم سيصلون بعد ساعة أو أقل ! ”

” حاضر أمي ”
توجهت نسمة لغرفتها التي تشاركها مع وئام ، وفتحت خزانتها، أربعة فساتين ، سروال جينز وثلاث أقمصة ، هذا ماتملكه ! ..
إن من سيزورهم عمتها الوحيد نجوى التي تقيم بأروبا وتحديدا بإسبانيا وقد ذكرت أن إبنها سليم سيرافقها .. كان هذا كفيل بجعل نسمة تشع فرحا وحماساً .. لطالما سمعت مديح والديها عن إبن عمتها سليم الشاب المتعلم الوسيم ، لم تراه منذ كانت طفلة وجل ماتتذكره هو جسمه .. له جسم ضخم ! رغم كونه في الخامسة عشر ..ياترى كيف شكله الان ؟

غاصت في فساتينها تحاول أن تختار الذي يناسبها .. أو يناسب زيارة الليلة .. فعمتها نجوى قررت أن تمضي ليلة العيد مع أخيها نجيب وعائلته

” أرجو أن تحضر لي عمتي الهدية التي وعدتني بها ” رفعت وئام يديها للسماء وأردفت بقلب خاشع ” وأرجو أن لا تعجبهما كعكة نسمة”

” ماذا ؟ أختي بالله عليك ماهذه الدعوة ؟ ”

” أسفة ! لكن اريد تلك الكعكة لي فقط ” أخفضت وئام عينيها بذنب خافت

” الجميع سيأخذ قطعة منها ياوئام ، لكنني سأصنع واحدة لك غدا ”

عادت نسمة لتغوص بفساتيها ثم قررت وهي متيقنة أن اللون الأبيض سيجعلها تبدو كأميرة .. أو كعروس !

نظرت للمرآة وهي في قمة الرضا على نفسها .. للفستان تطاريز جميلة ولديه شراشيف منفوخة بأسفله .. إنتقلت لشعرها الذي طلته باللون الذهبي ، كانت فكرة أحلام
أختها الأكبر وذلك لم يعجب البتة أمها زهرة ولا والدها نجيب لكنهما غضا النظر كونها البنت المدللة

نثرت شعرها على ظهرها وفوق كتفيها ثم إنتقلت لوجهها ، بعد تحديق مستمر قررت أن لاتضع شئ وتبقى على طبيعتها ! هي تريد أن يتذكر سليم ملامحها العادية

” إنه الثلج ! … الثلج جميل جداً ” صاحت وئام وهي تقفز قرب النافذة وتضحك ..
ركضت نسمة لترى أن كلام أختها صحيح .. الثلج يتساقط وماأجمله .. إنتبهت لسيارة رمادية ركنت قرب باب منزلهم فوضعت يدها على قلبها بنشوة ” وصلت عمتي نجوى ”

لاحظت السيدة التي تسير ببطئ في الخارج وتحاول أن لاتقع ، إنها قصيرة ونحيفة ..
ثم فتح الباب الأمامي لينزل شاب ببدلة كلاسيكية سوداء ، كان ضخم لكن بطريقة مثيرة ، شعره الأسود الكثيف كان يمتلأ بحبيبات الثلج كلما تقدم لأمه وبشكل ما رفع رأسه ليرى فتاتين تحدقان ببلاهة من النافذة ، أدركت إحداهما نفسها وإختفت بسرعة .. إبتسم وأكمل بطريقة ليجد ان امه قرعت الجرس فعلا

لقد نسي كم خجولة هي نسمة ، ولهذا علاقته بها صارت سطحية فهو كلما إتصل يتكلم مع الجميع حتى وئام صاحبة الخمس سنوات لكن نسمة كانت تكتفي فقط بمرحبا ، كيف حالك .. بخير شكراً
لهذا هي الأن تقابل المرآة وتحادث نفسها ” أهلا سليم ! كيف حالك ؟ إنها مدة طويلة ”

” لااا .. دائما يكون حديثنا محصور بهذه الكلمات ثم أصمت كأنني أؤدي واجب ما بالإطمئنان على حاله ”

نزلت بسرعة ثم قصرت خطواتها حين وصلت ، وقفت أمام الباب لبرهة كي تجمع شتات نفسها و تسيطر على خجلها الذي لن يفيدها هذه الساعة .. وبهذه اللحظة مرت عليها وئام وبدون أي إعتبار دخلت وركضت لحضن نجوى التي إستقبلتها بالقبل

ثم قامت بأولى خطواتها للصالة وكانت تنظر للأرض ويديها خلف ظهرها

” هاهي نسمتنا.. تعالي وسلمي علي ” وقفت نجوى لتحتوي نسمة و تحضنها بقوة ثم تركتها وأشارت بيدها لسليم ” هاهي نسمة التي كنت تسأل عنها ”

وهنا نظرت إليه من زاوية عينها فإذا به يقف أمامها وبطريقة لم تكن ستخطر على بالها فتح ذراعيه وأخذها بأحضانه ، شعرت كالفراشة التي تحلق سعادة تلك الثواني القليلة السريعة

( وأخيراً إلتقينا مجددا يا نسمة .. مازال لديكِ خدين طفل سمين و … صبغت شعرك! )

بسرعة سألته متفاجئة ” أتذكر لون شعري ؟ ”

بهدوء أجابها وكانت نظراته تتقاطر عسلا ” بالطبع .. خلال فترة وجودي هنا أنتي الوحيدة التي كانت تتسكع معي من البنات ، وحتما أتذكر شعرك البني البهي الذي كنتي تصفعينني به كلما
إستدرت ”
الإبتسام هو كل ماقامت به بالإضافة إلى الجلوس أمامه وهي تهنئ نفسها .. لقد أجرت حوار معه للتو وهذا تقدم

دخل نجيب حاملا بيديه أكياس مختلفة من السوق وبصوت مرتفع مسرور قال ” أختي العزيزة .. وأخيرا سمح لك أهل إسبانيا بزيارتنا ! ”

” نجيب كيف حالك ؟ ” إستقبلت نجوى أخوها بعناق وإطمأنت على حاله ثم أخبرته

” أنت تعلم أن سليم تخرج أخيرا و يبدو أننا سنخطب له بنفس العام فتكون الفرحة فرحتين”

توقفت نسمة عن التنفس وحملقت بسليم متعجبة ليراها هو ويبتسم فهي تبدو كمن تلقى خبر عجيب

” كيف حالك خالي ؟ أنت لاتكبر أبداً ” مدحه سليم فرفع نجيب يديه متقبلا للمديح

” العشاء سيجهز بعد دقائق .. نجوى أعلم أنك تحبين مطبخي لذا رافقيني كي نتحدث هناك وبنفس الوقت أجهز ماتبقى من أكلات ..” فعلا توجهت زهرة للمطبخ

” حسنا عزيزتي .. هل من وصفات جديدة ؟ ” لحقتها نجوى وهي تتفحص ديلاء الأزهار على الأرض بتمعن
لم تسمع نسمة إجابة أمها لأن صوت سليم الذي إستدار ليقابلها جمدها .. نظرت يسارا فلم تجد والدها ، لابد أنه صعد ليغير ثيابه

مد يده ليمسك ذقنها ويدير وجهها له فأحمرت خجلا .. ( هلا خرجنا للشرفة قليلا ؟ )
أومأت وتبعته كآلية ، فتح نافذة الزجاجية الكبيرة و سار خارجا ،تنفس عميقا الهواء البارد وكل مافعلته هي مراقبته و الإحساس لدقات قلبها تتصاعد .. غريب فهذه أول مرة تشعر بقلبها ..!

” كي.. كيف هي الحياة بإسبانيا ؟ ” أرادت أن تفتح حديث معه فاستدار مبتسما ليزيد حلاوة وجمالا .. امسك ذراعيها وقرب إليها ” ربما إن أخذتكِ هناك .. سترين بنفسكِ ”

بتحمس يشبه حماسة وئام قفزت ” حقا ؟ أحب ذلك ”

رفعت رأسها للسماء وأغمضت عينها تتخيله جل الأمر هامسة بتنهد ” أحب سبـآنـيآ !”

” أووه ! وددت لو قفزتِ شوقا لرؤيتي هكذا ..”

تحت الثلوج التي زادته سحراً قالت بخجل ” إشتقت إليك َ.. ولقد حضرت لك كعكة شوكولاطة خصيصاً لك ”
أعجب سليم بماسمعه وإنحنى ليطبع قبلة سريعة على خدها جعلت الدنيا لاتوسعها ،كانت قبلة مثل الشمعة المنيرة التي أنارت عليها الحياة

” أخبريني كل مافاتني عن نفسكِ منذ تركتكِ يانسمتي ”

” حسنا .. الأن انا بالجامعة ،تخصصت بعلم النفس ، سأصبح أخصائية نفسية ناجحة جدا ”

” أتمنى لكِ ذلك من كل قلبي ”

” ماذا عنكَ ؟ ” سألته نسمة ، ووجنتيها تتوردان لأنه بقي يمسك بيدها

” أنا أصبحت مهندسا ، وأتمنى أن أصبح ناجحا في مهنتي أيضا ”

” ستصبح ياسليم ! أنا أثق بكَ ” لم يكن العالم يسعها من السعادة وهي تتطلع له للأعلى كأنه نجم ساطع
ضغط على يدها بقوة وسألها بجدية ” هل تحبين حقا مرافقتي إلى إسبانيا ؟ ”

أومأت بسرعة لتطل عليهما وئام وتنادي ” امي تقول أن العشاء جاهز ”

دخلا حيث توجد الطاولة الخشبية المستطيلة بمنتصف صالة المنزل .. جلست نسمة مقابلة لسليم بإبتسامة خجولة .. أكلو وكم أعجبت نجوى بأكلات زهرة المتنوعة الذيذة

( أووه تسلم يديكِ يازهرة .. كالعادة سأطلب منكِ الوصفات )

وهنا فتح باب الخارج لتطل منه أحلام عائدة من عملها ، ألقت السلام برنة موسيقية ، جعلت الجميع ومنهم نسمة يفتحون أفواههم بذهول .. إنها جميلة جداً .. شعرها البني يلمع وفستانها الأحمر يماثله لمعانا .. انها جميلة لدرجة لم يستطع سليم إغماض عينه ، جعل هذا نسمة تتجمد مكانها وهي تعرف أن أحلام جميلة لكن فقط بمساعدة من الماكياج

” وهاهي عزيزتي أحلام .. تأخرتي علينا ” عاتبتها نجوى ثم قامت لتضمها ” ولكن لابأس .. المهم أنك هنا ، وكم أنتي جميلة ياعزيزتي ”

” شكرا لكِ ياعمتي العزيزة” تظاهرت أحلام بالحياء بينما وقف سليم بسرعة وتخطى نسمة ووئام ليضم أحلام قائلا بلطف ” إجلسي معنا وأخبرينا كيف حالكِ ”

وهذا ماحدث حيث إحترقت نسمة بقلبها ، لكنها حافظت على إبتسامتها المرحة رغم ذلك
عند وقت التحلية قامت بحماس و أحضرت كعكتها لتضعها قرب سليم ولم تفتها نظرة السخرية من أحلام لكن إبتسامة سليم ردت لها الروح !

تذوقت نجوى من مختلف حلويات زهرة ، ثم قامت أحلام وحملت حلويات ذات شكل جميل قائلة
” هذه من صنعي أنا … اتمنى أن تعجبكما ” ، مما جعل نسمة تشهق تحت أنفاسها متسائلة لماذا تكذب أحلام بشأن ذلك ، لماذا لا تقول أنها إشترتهم فحسب

أبدت نجوى إعجابها الكبير فحملت نسمة السكين وقطعت القليل من كعكتها ثم قدمتها لسليم ونجوى ، وكذلك أعطت لأمها ووئام التي كادت أن تجن من الإنتظار

” وهذه من صنعي ”

عقدت أحلام جبينها متعمدة أن تخرج لسانها بقرف ” هل أحرقتها مجددا يا نسمة.. ؟ ”

أخفضت نسمة وجهها بخجل حتى سمعت سليم يقول وهو يقضم مجدداً ” لذيذة ، أعجبتني ..”
ثم غمز لها

” سليم محق.. الكعكة رائعة ..! ” ضربت وئام الطاولة لتعبر عن إعجابها فأومأت نجوى لتساير نسمة فقط .. فهي لم ترقها الكعكة وهذا ظاهر كونها أخذت قضمة واحدة فقط !

خلال هذا كله لم تنزع عينها من سليم ، أصبحت في ظرف ثواني مفتونة بكل حركاته وتصرفاته .. وخصوصا نظراته المغرية

هاهو ينظر لها بطريقة من الحنان .. شعرت نسمة أنها إمرأة و تستطيع أن تحبه من عمق قلبها الذي ذاق منذ لحظات أحساس جديد… ربما الحب من أول نظرة

في غرفة الجلوس لاتزال أحلام تجلس قرب سليم وهما يتحدثان في أشياء جميلة وشيقة ثم يضحكان ..لكنه ينظر لنسمة ويسألها عن رأيها و كذلك يمسك يدها لتحمر هي خجلا
كان يفيض لطفا معها فشعرت بالتواصل الروحي تجاهه ..

ثم جعلت نجوى الجميع يصمت لتقول بفخر ” كما قلت سابقاً، ولدي سليم تخرج هذه السنة وأنا أريد أن أشكل له عائلة فالوقت يجري .. لم يكن الأمر يحتاج للتفكير فأنا لن أجد أفضل من أحلام كزوجة له وهكذا نفرح مرتين !”

إتسعت حدقة عين نسمة وهي تراقب إبتسامة سليم تتلاشى نهائيا وعيناه مجمدان عليها .. وقفت أحلام غير مصدقة لنفسها وقالت بجرأة ” نعم .. شرف لي ، وأنا لن أجد أفضل من سليم”

إبتسم نجيب قائلا بدون تفكير ” وأنا موافق.. يالها من مفاجأة جميلة أختي….. كم تمنيت أن تكون إحدى بناتي زوجة لسليم ”

صمت الكل لينظر له .. هو من شعر أن البيت صار يخنقه، قلبه تحطم كليا فهو لايعتبر أحلام أكثر من أخت .. حتى أنه في قرارة نفسه يعلم أنه لايستطيع أن يعاملها كزوجة ..لقد كان يلمح لأمه طوال الوقت عن نسمة ، كان يسألها طوال الوقت عمدا لكي تفهم قصده ..وظنها فهمته

” أنتي ستحبين الحياة معنا بإسبانيا ” قالت نجوى بإفتخار

إسبانيا ! أحلام ستعيش في إسبانيا مع الوسيم سليم الرجل الذي إنتظرته نسمة طوال حياتها أشاحت عينها من نجوى ، بشكل ما أصبحت غاضبة منها.. لماذا لم تخترها ؟ ولماذا إختارت أحلام
لأنها البنت الكبيرة ؟ أو لأنها تظنها أذكى وستشكل زوجة جيدة

هذا غير معقول ! … نظرت لسليم تنتظر منه متى يرفض

” نسمة … نسمة ” شعرت بأحد يهزها ببطئ لتفتح عينها من شرودها ، رأت غرفة غريبة ورجل يقابلها حاملا دفترا صغيرا بيده
رجل ذات شعر أسود كثيف يرتدي سترة قطنية بنية تبرز كتفيه العريضان .. ويضع نظارات أخفت أهدابه السوداء الجميلة

ثم تنهدت و حملقت بجسدها ، هي تجلس على كنبة ومرآة كبيرة تقابلها .. هي ترى إمرأة تشببها لكنها أنضج وأكبر ..شعر بني حيوي طويل ، و ملامح وجه بارزة نحيفة

” كيف تشعرين الأن نسمة ؟ ”

” خائبة الظن ” ردت وهي تمسح دموعها ، وكررت بحقد : “و غاضبة أيضا !”

” ماذا حصل لأحلام وسليم ؟ ” سألها الأخصائي النفساني فأخذت نفساً عميقا ” تزوجا .. فقط لسنة وتطلقا ”

” وماذا حدث بعدها لسليم ؟ ”

” أراد أن يتزوجني ! ”

“وماكان ردكِ؟ ”

” كنت غاضبة .. لأنه رضخ وترك كبار العائلة يقررون مصيره ، إختارو له أحلام خوفا عليها من العنوسة ، ولم يسألو عن رأيه ، رغم ذلك كان يستطيع أن يختارني .. لكنه سكت وجعلني أعيش بقلب محترق لسنة كاملة ..! ”

” لكنه طلق أحلام ! وعاد إليك ، استوعب خطئه ”

” هل فعل حقا ؟ ” إستندت نسمة على ظهر الكنبة وهي تتنهد مجددا بحسرة

” من ماذا أنتي غاضبة بالتحديد ؟ لقد عاد إليكِ ولو متأخرا بسنة ”

” لم يعد فعلا ” شهقت نسمة باكية فأخفت فمها بيدها ” لأنه مات .. مات وتركني مجددا .. لم يعد أبدا لي ”

” كم مر على وفاته ؟ ” سألها الأخصائي النفساني محتفظا بموضوعيته

“خمسة سنوات ” مسحت دموعها مجددا وإعتدلت في جلوسها

” وأنتي ماذا فعلت خلال هذا الوقت ؟ ”

” جعلت كل الليالي ليلة عيد ، أحضر كعكة ذات شكل قلب وأنتظر حضور سليم .. ”

” لكنه مات … يانسمة!”

” في قلبي مازال حيا ” وضعت عينيها بعينيه لأو مرة منذ بدأت حصة العلاج لتقول بنبرة مرتعشة ” ألست كذلك ياسليم ؟ ”

ترك الأخصائي دفتره فوق المكتب ليخبرها بهدوء ” أنا لست سليم .. أنا معالجك النفسي نسيم”

” أنت سليم الذي أحبني ، وأحب تخصصه كمهندس .. وأحب إسبانيا ، لقد إختفيت منذ خمسة سنوات بعد حادث أدى بذاكرتك كلها وإنقطعت كل أخباركَ .. حتى رأيتك صدفة في مؤتمر للأخصائيين النفسانيين ، لقد بنيت لنفسك حياة مألوفة لي ”

” نسمة .. مالذي تتحدثين عنه ؟ عودي لرشدكِ.. أنا لا أعرفك البتة ..! ”

” ربما! لكن روحك إنتحلت تفاصيل أقرب روح تعرفها ..لتنجو ، أنت أصبحت إنعكاسا لشخص إعتدت أن تحبه وهادا يعطيني الأمل .. سليم مختبأ في مكان ما داخلك ..أتيت لأخبرك .. .. مازلت أحبك ياسليم ولازلت أريد الذهاب معك لإسبانيا … أعرف أنك هناك .. عليك أن تجد طريقك وترجع إليا .. لاتنسى .. في ليلة العيد .. أنا أنتظرك ! “

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments