لست حتى صديقها

لست حتى صديقها

لست حتى صديقها. ساحرة في ابتسامتها، رقيقة في مشاعرها، جلست قربه تختلسُ نظرةً تلو الأخرى إلى شفتيه الرشيقتي الكلمات، يخبرها عن ماضيه، حاضره.. مستقبله، باب أسراره يفتحُ على مصراعيه، رامياً قفله في بحر عينيها الزرقاوين.
غامضة هي، قليلة الكلام، شاردة على سكون، في صمتها و هدوئها الكثيرُ من ضجيج الذكريات!
هناك في مقر عملهما، في احدى الشركات التجاريّة، ضجّة و افواجٌ من تهنئة بعودة المسافر، ما بالها لا تصمتُ؟!! فرحا ً ترقص في حضرته و يديها الخجلتين و غنجها الوافر النظراتِ!!


يُقبِّلها، وتخرجُ في رفقته. عبارةٌ ارتمت على وسادة مسامعه متعبة من السفرعلى ألسن الموظفين: ” إنـّه ابنُ المدير، حبُّها الأوّل.. لقد عاد بعد غياب، جمال و مال.. قد تنال ترقية، ربّما تصبح مالكةً لهذه الشركة يوما ً ما”. رصاصاتُ الغيرة تنطلقُ من بندقيّة أفكاره المرهقة الآراء فتصيبه في شجون، خلفهما يقود سيّارته و خيبته، هناك في احد المطاعم الراقية، يقفُ متخفيّا ً مكشوفَ الحسرةِ، بعضٌ من حديثٍ يهدرُ في أذنيه شلالَ حقيقة:
– أحبُّكِ، اشتقتُ إليكِ..


– أنا أيضا ًاشتقتُ إليكَ، طال غيابُكَ عني.. لا ترحل ثانية.
– سأبقى لفترة، دعينا نقتنصُ الثواني القادمة نمضيها سويّا ً.
يهوي بيدِه لتعانقَ يدَها، أناملهُ تحمل رغبة لمداعبة خدّها و نظراتٍ شرهة..
تبتعدُ، يكرّرُ المحاولة، فتصرخُ محتدّة: – ماذا تريد؟!!
– أريدكِ أنتِ.


– لن يحصل هذا إلا ّ بعد الزواج.
– الزواج؟!! لستُ من روّاد الزواج.. أنا من هواة التسلية فقط حبيبتي.
ينهض محاولا ً معانقتها، فتصرخُ مستنكرة: لا.
الرفضُ من فتاةٍ ما تعوّد، يائسا ً يقولُ: – أنتِ لي.. ستكونين لي.
يدٌ ثائرة تمسك بكتفه النحيفِ، و أخرى ترديه أرضا ً، و صوتٌ ينفجرُ وعيدا ً:
– إن اقتربتَ منها مجدّدا ً، أقسمُ بأنني سألقنكَ درسا ً لن تنساه.


كطفلةٍ صغيرة يمسكُ يدها، دامعة العينين تجري خلفه، قربه على مقعدِ سيّارته عائدين إلى منزلها ترتمي، و بمنديلٍ من سؤال تمسحُ دموع صدمتها: أتراقبي؟! أتتجسّسُ عليّ؟!من أنتَ لتفعلَ هذا؟!
لستَ أبي.. لستَ أخي، و لستَ حتى خطيبي!! لا يحقُّ لك التدخلَ في حياتي..
– أنا احبُّكِ، الغيرة..


– تحبُّني؟!! أنتَ أبعد من أن تكون حبيبي، واهمٌ أنتَ إن كنت تعتقد أننا سنقصدُ مدنَ الحبّ كشهر عسلنا، أبدا ً سنبقى في أحياء الصداقة، أكثر ما يمكنكَ أن تحصلَ عليه جزءا ً من صداقتي..
أرجو أن لا تنسى هذا.
– أعدكِ، لن أنس.
باكية تغلقُ بابَ سيّارته في وجهه و الأمل.


على غير عادته و إشراق يوم جديد، يُقبلُ عاري الابتسامة، عاقد اللهفة، جليديّ الملامح، رسميّ الطابع، يلقي شبهَ تحيّة، يرمي فتات نظرة، و يدخلُ إلى مكتبه..
أيّاما ً لا يلتقيانِ، محاولاتٍ حثيثة منها، نظراتٍ معتذرة و شفاهٍ مستعطفة، و في كلّ مرّة يرفع ً يده مجهضا ً مبادراتها، يصفعها بصمته و يرحل..
تعود تلك الضجةُ الزفـّة و قدوم الوافد العزيز، إلى حيث هي ينحني ابنُ المدير و باقة من الورود في يده معتذرا ً: – أرجو أن يسامحني خدُّكِ إن سرقتُ ورودا ً منه إليكِ، فأنا..


يصمتُ و الخوفُ يقفزُ إلى عينيه و قد أطلّ الريحُ الغضبُ، مرتجفا ً ينتظرُ بعثرة أوراقِ كرامته، و لكنه كنسمةٍ خفيفة يمرُّ من أمامه دون عقاب..
و تقهقه عنجهيّة ابن المدير، و تشمخُ قامته المرتعبة ، و يتشدّقُ بأعذبِ الكلماتِ: – حبيبتي..
تقاطعه قائلة: – ما بيننا انتهى، ارحل أرجوك.. لا تثير المشاكل.


– من يثيرُ المشاكل؟!! أنا أم هو ؟!! لكن لن يحدث شيء.. ألم تريه كيف انسحبَ هاربا ً خائفا ً مني؟!!
– قلتُ لك ارحل، اجمع ما بقي لك من كرامة و ارحل.
و تتركه فريسة لعيونٍ فضوليّة، ترافقانه مودّعة إلى خارج الشركة..
يومٌ آخر، أقطابُ الموظفين المغادرين و انتهاء الدوام، المهرولين إلى سيّاراتهم الراقدة في المرآب، سيّارةٌ عاصية تركن قرب الفتاة المستاءة من عودته ثانية ً، و كلامٌ على موجةٍ عصبيّة


يطرقُ أذنيها: – أريد أن أكلـّمك..
– لا كلام بيننا. ”
و تحثُّ الخطى إلى حيثُ يقف الشابُّ الذي كان كلّ يوم ٍ يضع على مكتبها وردة حمراء بلون حبّه تستقبلها كلـّما أتت، و ما عاد يفعل.
أناملها المرتعشة تستنجد بذراعه القويّة، تحاول ثنيها عن الرحيل و الإمساك بمقود السيّارة..
صوتٌ هستيري و فتى مترنحٌ من السكر: أعرضُ عليكِ الزواج.


– لا أريدُ.. لم يعد يهمّـني الأمر.
– أتحبّينه؟!! هل أنتما..
قبلَ أن تجيب، نبرةٌ جافة من رجلٍ كان مفعماً بالحنان: – لا، لستُ حتى صديقـَها.
لوهلة تصمتُ، و دمعةٌ متلألئة تومضُ في الأفق بريقا ً من عتاب، و نظراتٍ تنفجرُ حمم اعترافٍ وندم لا تتعدى الخفقاتِ، و ترحلُ..
وكأنّ الخمرَ لمرّةٍ قد أعطى ثماره حقيقةً على لسان رجلٍ طائش: إنـّها تحبّك.


في باحة الذهول رقصت الأفراح رقصات شوق وحنين، و رحيل..
و نظرةٌ من حب تعلن بداية الحكاية!! و نهايتها!!!

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments