عازف العود

You are currently viewing عازف العود
عازف العود. يخرج في الصباح الباكر كعادته من منزله الكائن بالحى العتيق بالقاهره الفاطميه … ويجلس على المقهى يتناول قهوة الصباح قبل الذهاب الي عمله .. كانت هذه الجلسه على هذا المقهى لها متعتها الخاصه في هذا الجو التاريخي العتيق الذى لازال يحتفظ بسمات الزمن الجميل …
وكأنه مازال يعيش في خمسينات هذا القرن … كل مايحيط به معالم وكذلك العادات والتقاليد حتى ملامح الاوجه وزي النساء مازال متمسكا ببقايا من عصر السكريه وقصر الشوق وبين القصرين .. هذا العصر الذهبي الذى رسمه نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيره .

 

جلس على المقهى على بعد امتار من زقاق المدق … وماأن جلس على نفس المقعد الذى يجلس عليه كل يوم … حتى جاءه صبي المقهى بفنجانه الذى اعتاد أن يشرب فيه قهوته … فقد كان صاحبنا هذا من عشاق الارتباط بالاشياء… اذا ارتبط بشئ صار خليله الذى لا يستغني عنه … حتى الشوارع والمقاعد والزوايا والفناجين .

 

يجلس صاحبنا مستغرقا في افكاره صامتا كل يوم … وكان يواجه في جلسته نافذة بالدور الارضى من المنزل القديم الذى انتقلت اليه اسره صغيره لتقيم فيه منذ شهور فقط … ولا يفصله عن النافذه سوى ثلاثة امتار هى كل عرض الشارع .

 

احد الايام فـُتحت النافذه .. فوجد نفسه امام غاده .. هكذا كان يسمعهم ينادونها .. كانت فتاه في مقتبل العمر .. ربما تجازت الثلاثين بقليل … لو قضيت عمرك تبحث عن اجمل منها لن تجد .. ولو بُعثت فينوس من اساطير الاغريق .. أو قامت ايزيس من مقبرتها .. أو عادت افروديت الي الحياه .. لكانوا خادمات في مملكة حسنها .. ومااستحققن ان يكنَ وصيفات لجمالها الذى تخطى كل حدود .. وفاق كل وصف ابدع فيه الشعراء …
وبرغم كل هذا الجمال … ترى من بعيد لمحة حزن تتواري وتظهر خلف سحر عيونها … فهى الفتاه التى تعجز أن تحدد لون عينبها مهما ظللت تنظر اليهم .. ترى اعينها في كل لحظه بلون مختلف .. وسحر ولمسة حزن وابتسامة مختلفين … لاتسطيع حواسك ان تمسك لحظه من هذا السحر والجمال السابح على بحيرتين من الخمر هما عينيها .

 

صاحبنا يجلس ساعه كل يوم في محراب هذا الجمال خاضع امام عرش حسنها لايدرك مايدور حوله .. حتى السلام لايرده على الماره من اهل الحي من فرط انشغال جوارحه بفتنتها الطاغيه .

 

كلما فتحت النافذه ظلت اعين صاحبنا تتنقل على ملامحها الورديه… من وجنتيها الي رموشها الي عينيها الي جبينها الي شفتيها .. لاتكاد تستقر عينيه في مكان علي وجهها حتى تشتاق وتحن لمكان اخر.

 

وظل هذا الشاب يسأل نفسه كل يوم ولم يجد ابدا اجابه لسؤاله … لماذا غفل الشباب عن هذا الحسن … لماذا لم تتزوج هذه الغاده .. مثلها لابد أن تقف لها صفوف من الحالمين باحتواء هذا الجمال العربيد ولو بلغ مهرها نجوم السماء … فلماذا لم تتزوج بعد .

 

ظل صاحبنا يراقبها اياما وراء ايام … لعله يجد تفسيرا واجابه لسؤاله هذا . ولم يجد فيها مايعيبها الا دلعها المفرط وعدم اكتراثها بامها العجوز.

 

كانت تجلس كل يوم ساعات وساعات هادئه في النافذه وبجوارها راديو تستمع الي الاغاني … وأمها العجوز المتعبه تروح وتجئ لتخدمها .. لم تقم يوما من مكانها لتساعد امها العجوز في اعمال المنزل .. وكان صاحبنا يراقب الام من النافذه وهى تكابد المعاناه وتبذل الجهد لتقضى حوائج البيت وهى العجوز المريضه .. أما غاده فكانت مع اغنياتها تطل من النافذه بلا ميالاه ولا حتى شفقه أو رحمه بأمها العجوز.

 

هذه الصفات في غاده هى العيب الوحيد الذى ينقص من جمالها الآخاذ … فكر صاحبنا كثيرا … هذا عيب يمكن تقويمه في بيت الزوجيه … ربما تفعل هذا في بيت ابيها لانها وحيده أمها وقد تعودت منذ طفولتها على هذا الدلع .. العيب ليس عيبها .. بل هو عيب امها بعد وفاة ابيها … هما من رضيا بهذا السلوك المعيب المشين في ابنتهما .

 

لكن صاحبنا وهو الشاب قوي الشخصيه عظيم الاراده ذكي التعامل والسيطره على من حوله … وجد في نفسه قدره على ترويض هذا العيب فيها .. وترويضها ولو كانت النمره بعد ان يتزوجها .. فهو واثق من ذلك تماما .

 

وبعد تفكير عميق ,, وبعد ان استشار اهله … قرر الزواج منها .. لم يكن في حاجه لأن يسأل عنها أو عن خلقها أو عن اهلها … فقد كان يراقبها فتره طويله ولم يراها ابدا تسير في شارع كالفتيات ولا حتى الي السوق … لم تخرج من منزلها ولم يلاحظ عليها هفوه وحده طوال هذه الشهور.

 

فى المساء … ارتدي الشاب اجمل ثياب لديه وتزين … واخذ معه ثلاثه من كبار اهل الحي ليخطب الفتاه … فتحت السيده العجوز الباب … فقال لها كبيرهم … نحن ضيوفك ياحجه .. ودخلوا الي غرفة الجلوس .وجلست السيده بعد ان احضرت لهم الشاى .

 

قال كبير الضيوف .. جئنا اليوم لنطلب يد كريمتكم ابنتك غاده .. فلم نجد افضل منها لابننا هذا … لا نريد جوابكم الان … خذوا وقتكم كاملا لتسألوا عنه .. هو من اسره كبيره من صعيد مصر وهذا عنوانه وعنوان عمله ..وو .. ولكن السيده العجوز لم تمهله حتى يكمل حديثه … وقالت لاحاجه بنا لكل هذا ياحاج يكفي انك تتكلم عنه بهذا الشكل فانت كبير الحى والاعلم بجميع اهله وناسه … وانت بمثابة والد غاده .
ثم استأذنت بعض دقائق لتأخذ رأي ابنتها أو لتحضرها ترحب بالضيوف كالعاده في مثل هذه الاحوال .. ولم تغب طويلا ثم عادت لتقول للشاب .. لو سمحت لحظه ياابني … وقف الشاب وخرج خلفها .. وخارج الباب قالت له .. غاده تريد أن تتحدث معك كلمتين ..
ابتسم الشاب وقال .. حسنا.. وفي قرارة نفسه يقول .. اصبري ياغاده .. اول القصيده كفر .. تطلبني لاذهب لها هذه السفيره عزيزه بدلا من أن تحضر هي الينا .. صبرا ياغاده سيجمعنا دار واحد .. وساعتها نعلم من سيذهب للاخر .. يالها من برنسيسه مغروره … لكن لابأس .. كل هذا الحوار يدور بينه وبين نفسه وهو مبتسم …
حتى دخل غرفتها. وقف امامها ومد يده ليسلم عليها فمدت يدها وسلمت عليه.. لم تقم من مكانها .. وماأن لمست يدها يديه حتى غاص قلبه في قدميه وارتبك .. وشك للحظه انه سوف يقع اسير هذا الحسن … ويسيطر عليه هذا السحر … فيصبح في يوم من الايام كأمها العجوز … يخدمها وهي ملكه لا تعفر قدميها بالسير ولا تبذل جهدا غير تصفيف شعرها الغجري.

 

نظرت غاده اليه في عينيها نظره حزن تحاول اخفاءها بابتسامه مصطنعه وقالت .. هل تريد الزواج بي .. قال .. لا أظن أني هنا لسبب آخر .. قالت كان يجب أن تعرفني قبل أن تتقدم لخطبتي .. قال لها .. اعرفك ولا أظنني اعرف امرأه اخرى كما عرفتك انتي .. فأنا اعيش معكي لحظه بلحظه منذ سكنتم هذا المنزل ..
وبدأ الشاب يتغزل في محاسنها وجمالها وهدوءها والحب الذى امتلك فؤاده وأتي به الي بيتها ليخطبها … كان الفتى يتكلم ويقول لها عن كل احاسيسه ومشاعره التى امتلكته منذ شهور حتى حرمته النوم … وكانت الفتاه تسمع وهى صامته .. بدأ وجهها في الاحمرار من الحياء ..
ولكن كلما زاد حياءها زادت لمحة الحزن التي في عينيها وظلت تبدو اكثر فأكثر .. حتى تجمع هذا الحزن وتكور على نفسه ليكون لؤلؤه في عينها وسقطت على خدها .. وانساب بعدها سيل من اللؤلؤ يجري لامعا على صفحة خدها الرقيق .. رأي الشاب دموعها فتوقف عن الكلام ونظر اليها نظرة وكأنها سؤال
… لماذا هذا البكاء في لحظة فرح … لم يسألها ولكنها ادركت السؤال في عينيه ..
فقالت انظر وبعدها عد أو لا تعود.. وكشفت عن ساقيها.. فاذا به يري ساقين من الخشب المصقول مكان ساقيها المبتورتين.
Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments